تخليد الذكرى 81 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944

تخليد الذكرى 81 لتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944
استحضار لحدث وطني جيلي  ونوعي ومحطة نضالية  بارزة في مسار الكفاح  الوطني
من أجل الحرية والاستقلال  وتحقيق السيادة الوطنية والوحدة الترابية

بمظاهر الاعتزاز والإكبار، وفي أجواء التعبئة الوطنيـة الشاملـة والمستمرة تحت القيادة الحكيمة لصاحب الجلالـة الملك محمـد السادس نصـره الله، يخلـد الشعـب المغربـي ومعه أسـرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، يوم السبت  11 يناير 2025، ذكرى من أغلى وأعز الذكريات المجيدة في ملحمة الكفاح الوطني من اجل الحرية والاستقلال وتحقيق السيادة الوطنية والوحدة الترابية، والتي تحتفظ بها الذاكرة التاريخية الوطنية، وتستحضر الناشئة والأجيال الجديدة دلالاتها ومعانيها العميقة وأبعادها الوطنية التي جسدت سمو الوعي الوطني وقوة التحام العرش بالشعب دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية واستشرافا لآفاق المستقبل.
إنها الذكرى 81 للحدث التاريخي البارز والراسخ في ذاكرة كل المغاربة، حدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، والتي يحتفي بها المغاربة وفاء وبرورا برجالات الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، وتخليدا للبطولات العظيمة التي صنعها أبناء هذا الوطن بروح وطنية عالية وبإيمان عميق، وبقناعة راسخة  بوجاهة وعدالة قضيتهم في تحرير الوطن، مضحين بالغالي والنفيس في سبيل الخلاص من نير الاستعمار وصون العزة والكرامة.
لقد وقف المغرب عبر تاريخه العريق بعزم وإصرار في مواجهة أطماع الطامعين مدافعا عن وجوده ومقوماته وهويته ووحدته، ولم يدخر جهدا في سبيل صيانة وحدته وتحمل جسيم التضحيات في مواجهة المحتل الأجنبي الذي جثم على التراب الوطني منذ بدايات القرن الماضي، فقسم البلاد إلى مناطق نفوذ توزعت بين الحماية الفرنسية بوسط المغرب، والحماية الإسبانية بالشمال، والوضع الاستعماري بالأقاليم الجنوبية، فيما خضعت منطقة طنجة لنظام حكم دولي.
هذا الوضع المتسم بالتجزئة والتفتيت والتقسيم للتراب الوطني، هو ما جعل مهمة التحرير الوطني صعبة وعسيرة بذل العرش والشعب في سبيلها جسيم التضحيات في سياق كفاح متواصل طويل الأمد ومتعدد الأشكال والصيغ لتحقيق الحرية والخلاص من ربقة المستعمر في تعدد ألوانه وصوره. فمن الانتفاضات الشعبية إلى خوض المعارك الضارية بالأطلس المتوسط وبالشمال والجنوب، إلى مراحل النضال السياسي كمناهضة ما سمي بالظهير الاستعماري التمييزي في 16 ماي 1930، وتقديم مطالب الشعب المغربي الإصلاحيـة والمستعجلـة في 1934 و1936، فتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944.
وعبر هذه المراحل التاريخية، عمل أب الأمة وبطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه على إذكاء جذوتها وبلورة توجهاتها وأهدافها منذ توليه عرش أسلافه المنعمين يوم 18 نونبر 1927، حيث جسد الملك المجاهد رمز المقاومة والفداء قناعة شعبه في التحرير وإرادته في الاستقلال، معبرا في خطاباته التاريخية عن مطالب الشعب المغربي في الحرية والاستقلال وتمسك المغرب بمقوماته وثوابته الأصيلة والأثيلة، متحديا كل محاولات طمس الهوية الوطنية والشخصية المغربية.
لقد تواصلت مسيرة الكفاح الوطني بقيادة جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه الذي اغتنم فرصة انعقاد مؤتمر آنفا التاريخي في شهر يناير 1943 لطرح قضية استقلال المغرب وإنهاء نظام الحماية، مذكرا بالجهود والمساعي الحثيثة التي بذلها المغرب من أجل مساندة الحلفاء في حربهم ضد النازية وفي سبيل تحرير أوروبا من الغزو النازي، وهذا ما أيده الرئيس الأمريكي آنذاك « فرانكلان روزفلت » الذي اعتبر أن طموح المغرب لنيل استقلاله واستعادة حريته طموح معقول ومشروع.
وانسجاما مع مبدإ حق الشعوب في تقرير مصيرها، حدث تحول نوعي في طبيعة ومضامين المطالب المغربية بحيث انتقلت من المطالبة بالإصلاحات إلى المطالبة بالاستقلال. مما كان له بالغ الأثر على مسار العلاقات بين سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية وبينها وبين الحركة الوطنية التي كان بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه رائدا لها وموجها وملهما لمسارها، بإيمان عميق وعزيمة راسخة وثبات على المبادئ والخيارات الوطنية.
في هذا السياق، تكثفت الاتصالات واللقاءات بين القصر الملكي والزعماء والقادة الوطنيين من طلائع الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، وبرزت في الأفق فكرة تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال بإيحاء من جلالة المغفور له محمد الخامس، ثم شرع الوطنيون في إعداد الوثيقة التاريخية بتنسيق محكم مع جلالته ، وتوافق على مضمونها.
فكان طيب الله مثواه يشير عليهم بما تمليه حنكته السياسية من أفكار وتوجهات كفيلة بإغناء الوثيقة التاريخية والحرص على تمثيلها لكافة الفئات والشرائح الاجتماعية وأطياف المشهد السياسي في البلاد، حيث تم تقديمها بعد صياغتها النهائية إلى الإقامة العامة، فيما سلمت نسخ منها للقنصليات العامة للولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، كما أرسلت نسخة منها إلى ممثلية الاتحاد السوفياتي آنذاك.
وقد تضمنت وثيقة المطالبة بالاستقلال جملة من المطالب السياسية والمهام النضالية:
1- ما يتعلق بالسياسة العامة:
– استقلال المغرب تحت قيادة ملك البلاد الشرعي سيدي محمد بن يوسف.                      
– السعي لدى الدول التي يهمها الأمر لضمان هذا الاستقلال.
– انضمام المغرب للدول الموافقة على وثيقة الاطلنطي (الأطلسي) والمشاركة في مؤتمر الصلح.
2- ما يتعلق بالسياسة الداخلية:
– الرعاية الملكية لحركة الإصلاح وإحداث نظام سياسي شوري شبيه بنظام الحكم في البلاد العربية والإسلامية بالشرق تحفظ فيه حقوق وواجبات كافة فئات وشرائح الشعب المغربي.
لقد كانت وثيقة المطالبة بالاستقلال في سياقها التاريخي والظرفية التي صدرت فيها، ثورة وطنية بكل المعاني والمقاييس عكست وعي المغاربة ونضجهم وأعطت الدليل والبرهان على قدرتهم وإرادتهم للدفاع عن حقوقهم المشروعة وتقرير مصيرهم وتدبير شؤونهم بأنفسهم وعدم رضوخهم لإرادة المستعمر وإصرارهم على  استكمال مسيرة النضال التي تواصلت فصولها بعزم وإصرار في مواجهة النفوذ الأجنبي إلى أن تحقق النصر المبين بفضل ملحمة العرش والشعب المجيدة.
وإن أسرة الحركة الوطنية و المقاومة وجيش التحرير وهي تستحضر بفخر واعتزاز هذه الملحمة التاريخية الغنية بالدروس والعبر والطافحة بالمعاني والقيم، لتجدد موقفها الثابت من قضية وحدتنا الترابية ومغربية الأقاليم الصحراوية المسترجعة، وتؤكد وقوفها ضد مناورات خصوم وحدتنا الترابية ومخططات المتربصين بسيادة المغرب على كامل ترابه المقدس، وتعبئتها المستمرة وتجندها الموصول، على غرار سائر فئات وشرائح المجتمع والقوى الحية والشعب المغربي قاطبة، وراء صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، من أجل الترافع عن قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية، والتي دعا جلالته إلى الانتقال بها « من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير »، مشدداً على أنها « القضية الأولى لجميع المغاربة ». كما أكد جلالته في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، يوم الجمعة 11 أكتوبر 2024، في نفس المضمار: « لقد قلت، منذ اعتلائي العرش، أننا سنمر في قضية وحدتنا الترابية، من مرحلة التدبير، إلى مرحلة التغيير، داخليا وخارجيا، وفي كل أبعاد هذا الملف. ودعوت كذلك للانتقال من مقاربة رد الفعل، إلى أخذ المبادرة، والتحلي بالحزم والاستباقية ».
وفي هذا السياق، تثمن عاليا الانتصارات الديبلوماسية المتتالية التي حققتها بلادنا في الآونة الأخيرة، تحت القيادة الحكيمة والمتبصرة لجلالته، الذي يقود باقتدار وبعد نظر مسلسل تسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، حيث توج هذا المسار باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا ومؤخرا باعتراف كل من فرنسا وفنلندا الاسكندنافية ودولة الدومينيكان وغيرها من الدول بسيادة المغرب على كل ربوع الأقاليم الجنوبية المسترجعة. وقد أثمرت هذه الانتصارات الديبلوماسية فتح العديد من الدول قنصليات وتمثيليات لها بمدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية، والتي وصل عددها إلى 29 قنصلية وتمثيلية منها 17 بمدينة الداخلة كان اخرها فتح قنصلية عامة لدولة تشاد تزامنا مع تخليد الذكرى 45 لاسترجاع إقليم وادي الذهب، يوم 14 غشت 2024.
 
       واحتفاء بهذه المناسبة المجيدة  بما يليق بها من مظاهر الاعتزاز والإجلال والإكبار، وإبرازا لدلالاتها الوطنية وأبعادها ومقاصدها السامية وإشاعة لقيمها النبيلة في أوساط الناشئة والأجيال الجديدة، تنظم المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يوم السبت 11 يناير 2025 على الساعة الحادية عشرة صباحا، بالفضاء الوطني للذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بالمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالرباط، مهرجانا خطابيا وندوة فكرية، تلقى خلالهما كلمات وعروض حول هذا الحدث التاريخي الخالد والطافح بالدروس والعبر التي يتوجب استحضارها لتنوير أذهان الناشئة والأجيال الجديدة بمضامينها وعظاتها ورسائلها البليغة  في مسيرات الحاضر والمستقبل.
كما سيتم بالمناسبة، تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير برورا وعرفانا بما أسدوه للوطن من جليل الأعمال وعظيم التضحيات.
هذا، وسيتم تنظيم برامج أنشطة وفعاليات تربوية وثقافية وتواصلية مع الذاكرة التاريخية بسائر النيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية وفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير المبثوثة عبر التراب الوطني وتعدادها 104 وحدة/ فضاء، بتنسيق وشراكة مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والهيآت المنتحبة والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، على امتداد الفترة من 3 يناير إلى 31 منه، تزامنا مع ذكرى أحداث 29 و30 و31 يناير 1944.

تخليد الذكرى 91 لمعارك جبل بادو

تخليد الذكرى 91 لمعارك جبل بادو استحضار لفصول ملحمة بطولية وضاءة في رقيم الذاكرة التاريخية الوطنية

خلد الشعب المغربي  ومعه أسرة المقاومة وجيش التحرير  يوم  الجمعة  27 دجنبر 2024 ، الذكرى  91لمعارك جبل بادو التي دارت رحاها خلال شهر غشت من سنة 1933، وخاض غمارها أبناء إقليم الرشيدية ضد قوات الاحتلال الفرنسي، على صعيد المنطقة وجوارها ومحيطها.
 وشكلت معارك جبل بادو أشرس المواجهات والنزالات بين المجاهدين والغزاة المحتلين، حيث شاركت في المعارك كافة القوات النظامية القادمة من المناطق العسكرية التي انتشرت وتمركزت فيها بتادلة ومراكش ومكناس. واحتشدت أعداد كبيرة من المجاهدين من سائر القبائل المرابطة بمناطق تافيلالت، اعتصموا بقمم ومغارات وكهوف جبل بادو بعد تشديد الحصار عليهم، وقصف جميع المداشر والقصور المجاورة لجبل بادو، وسد كل الثغور والمعابر والممرات لتطويق المجاهدين المحاصرين، والحيلولة دون حصولهم على الإمدادات من مؤن وغذاء وماء وذخيرة ووسائل لوجيستيكية.                         
لقد قاومت قبائل وساكنة تافيلالت بضراوة منذ مطلع القرن العشرين، وضحت بالغالي والنفيس من أجل التصدي للاستيطان الأجنبي والأطماع الاستعمارية خاصة في سنة 1908 بعد أن أقامت القوات الفرنسية أول مركز استعماري لها بمركز بوذنيب، كان بمثابة قاعدة لانطلاق هجوماتها ومد سيطرتها على سائر تراب الإقليم.
وهكذا، شهدت المنطقة سلسلة من المعارك بدءا بمعركة بوذنيب سنة 1908، ثم معركة افري سنة 1914، ومعركة الرجل بمسكي سنة 1918، ثم معارك تافيلالت، ومعارك نواحي كلميمة، وتاديغوست التي امتدت إلى أوائل الثلاثينات من القرن العشرين.       
لم تتمكن سلطات الاحتلال الأجنبي من بسط نفوذها على كافة تراب الإقليم، ودخلت في أعنف مواجهة عرفتها المنطقة بجبل بادو خلال شهر غشت 1933، أبلى فيها المجاهدون من مختلف قبائل الإقليم البلاء الحسن، واستطاعوا الصمود والاستماتة في المعارك وإرباك صفوف القوات الاستعمارية المدججة بأحدث الأسلحة والآليات الحربية الجوية والبرية، وتكبدوا المحن والآلام باستشهاد العديد من النساء والشيوخ والأطفال الأبرياء العزل.       
فابتداء من أواخر شهر يوليوز من سنة 1933، تلقت ثلاث مجموعات من القوات العسكرية الاستعمارية الأوامر والتعليمات من القيادة العليا للزحف على مشارف اغبالو نكردوس وهي:   
– مجموعة التخوم التي اتخذت من تنغير قاعدة لها وقامت بالهجوم على اغبالو نكردوس انطلاقا من الجنوب؛   
– مجموعة مكناس في تيزي نتغرغوزين التي استهدفت قبائل نحمدون وامدغوس التي آزرت ودعمت المجاهدين المعتصمين بالتخوم بالإمدادات الضرورية؛
– مجموعة مراكش في منطقة أكدمان، وكان هدفها الهجوم على نحمدون انطلاقا من الشرق.
وفـي أوائـل غشـت من سنة 1933، شرعت القوات العسكرية الفرنسية في عمليات تطويق المناطق الشرقية من الأطلـس الكبيـر حيث أعطى الجنرال « هوري » أوامره لقواته التي كانت متمركزة على مشارف اغبالو نكردوس للزحف على تيزي نحمدون ابتداء من يوم 4 غشت من سنة 1933، وتطورت الأحداث والعمليات في أواخر نفس الشهر إلى مواجهات عنيفة في جبل بادو بين فرق المجاهدين والقوات الاستعمارية حيث أبان المجاهدون المغاربة في هذه المعارك عن روح قتالية عالية لصد المعتدين، وأذاقوا الغزاة أقسى الضربات وكبدوها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.    
وكـان المجاهـدون يأتمـرون بقادة اشتهروا باستماتتهم القتاليـة وبغنى تجاربهم الميدانية وحنكتهم الفائقـة التي اكتسبوها من قبل في مختلف أرجاء تافيلالت، ومن بين الأبطــال الأشاوس زايد اوسكونتي، قائد آيت عيسى ازم، قبيلة آيت مرغـاد، والقائد علي اوطرمون، قائد آيت عيسى من زاوية اسول، إلى جانب عدد كبير من القادة المجاهدين الذين تصدروا الصفوف الأولى في ساحة القتال، فضلا عن العلماء والفقهاء والوجهاء الذين شاركوا في المعارك البطولية، بعد أن حثوا على الجهاد وأصدروا الفتاوى بشأنه.
لقد وقف أبطال هذه الربوع المجاهدة صامدين أمام جحافل القوات الأجنبية التي حاصرت الجهة الشرقية من الأطلس الكبير، الأمر الذي جعل المجاهدين أمام اختيارين: إما الاستسلام أو القتال، ففضلوا وقرروا الجهاد والاستشهاد. وهكذا، قام المجاهدون بقيادة زايد اوسكونتي بترتيب صفوفهم وتنظيم مقاومتهم في منطقة أوسكرسو بادو، فاتخذوا المغارات والكهوف للإيواء عند الضرورة وخزن المؤن استعدادا لطول أمد الحرب. وقد أبدى المجاهدون مقاومة شديدة أرغموا فيها قوات الاحتلال الأجنبي على التراجع في بعض المواقع وألحقوا بها خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.                  
وأمام المقاومة الشرسة لأبناء تافيلالت، سعى المستعمر إلى استخدام وسائل الترغيب واستمالة زعماء المنطقة تارة، وفرض أو محاولة فرض الحصار وتضييق الخناق على السكان وشن الهجومات الترهيبية تارة أخرى، ولكن المجاهدين بفضل إيمانهم وتمسكهم بالمقدسات الدينية والثوابت الوطنية، ظلوا صامدين ومتحصنين بالكهوف والمغارات بجبل بادو ونحمدون وأيوب، رغم قساوة الطقس والظروف المناخية وشدة الحر حيث لبثوا وظلوا يواجهون قوات الاحتلال. وقامت القيادة العسكرية بمحاولات للتفاوض مع المجاهدين الأبطال، فتوقف القتال في 24 غشت 1933، ترقبا لمفاوضات محتملة مع البطل زايد اوسكونتي وبينه وبين الجنرال « جيرو »، وطال انتظار القيادة العسكرية الفرنسية، ولم يلب المجاهدون دعوتها للتفاوض الذي لم يشرع فيه ومني بالفشل الذريع.
إثر هذا الموقف الشجاع، قررت قوات الاحتلال شن هجوم شرس يوم 25 غشت 1933 على اسكرسو، واجهه المجاهدون ببسالة وشجاعة خارقتين، وجرى تبادل إطلاق النار بين الطرفين، ووصل النزال إلى حد المواجهة المباشرة باستعمال السلاح الأبيض.
وفي يوم 26 غشت 1933، تواصلت المعارك بحدة وضراوة وبعد أن نفذ زاد المجاهدين من جراء الحصار المضروب على المنطقة، توقفت المعارك، لكن جذوة مقاومة المستعمر لم تنطفئ ولم تخب، وانتقل أبناء إقليم الرشيدية للانخراط في العمل الوطني والنضالي في صفوف وتنظيمات الحركة الوطنية والعمل المسلح ضمن حركة المقاومة المسلحة وجيش التحرير، فقاوموا بشجاعة وشهامة كما عهد فيهم، بمختلف الوسائل والإمكانيات التي أوتوها دفاعا عن الشرعية التاريخية وصيانة للمقدسات الدينية والثوابت الوطنية.
وشاءت الأقدار أن تلعب منطقة اغبالو نكردوس دورا رائدا في الإشعاع الوطني لما اختارها المستعمر معتقلا ومنفى للزعماء الوطنيين مع بداية الخمسينات حيث زج في غياهبها برموز ورجالات الحركة الوطنية، ومن بينهم زعماء وطنيون كان من بينهم بعض الموقعين على وثيقة المطالبة بالاستقلال. وشكلت اتصالات أبناء الإقليم بهؤلاء الزعماء الوطنيين فرصة متاحة لتمديد الإشعاع الواسع للمبادئ والأفكار الوطنيـة وإذكـاء روح النضال الوطني التي ظلت مستمرة وتأججت في ملحمة ثورة الملك والشعب المجيدة بعد إقدام سلــطات الإقامــة العــامة للحماية الفرنسية على نفي بطل التحرير والاستقلال جـلالة المغفـور له محمد الخامس، ورفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني رضوان الله عليهما، والأسرة الملكية الشريفة في 20 غشت 1953.
 ولم تهدأ ثائرة أبناء تافيلالت كغيرهم من أبناء الوطن في مختلف الجهات والمناطق إلى أن تحققت إرادة العرش والشعب وتكلل نضالهما بالنصر المبين وعودة الشرعية والمشروعية التاريخية، وإعلان الاستقلال في 16 نونبر 1955، لتتواصل النضالات والتضحيات في الملاحم البطولية وفي الجهاد الأكبر لإعلاء صروح المغرب الجديد وتثبيت وحدته الترابية.
وإن أسرة المقاومة وجيش التحرير وهي تستحضر بفخر واعتزاز هذه الملحمة التاريخية الغنية بالدروس والعبر والطافحة بالمعاني والقيم، لتجدد موقفها الثابت من قضية وحدتنا الترابية ومغربية الأقاليم الصحراوية المسترجعة، وتؤكد وقوفها ضد مناورات خصوم وحدتنا الترابية ومخططات المتربصين بسيادة المغرب على كامل ترابه المقدس، وتعبئتها المستمرة وتجندها الموصول، على غرار سائر فئات وشرائح المجتمع والقوى الحية والشعب المغربي قاطبة، وراء صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، من أجل الترافع عن قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية، والتي دعا جلالته إلى الانتقال بها « من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير »، مشدداً على أنها « القضية الأولى لجميع المغاربة ». كما أكد جلالته في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، يوم الجمعة 11 أكتوبر 2024، في نفس المضمار: « لقد قلت، منذ اعتلائي العرش، أننا سنمر في قضية وحدتنا الترابية، من مرحلة التدبير، إلى مرحلة التغيير، داخليا وخارجيا، وفي كل أبعاد هذا الملف. ودعوت كذلك للانتقال من مقاربة رد الفعل، إلى أخذ المبادرة، والتحلي بالحزم والاستباقية ».
وفي هذا السياق، تثمن عاليا الانتصارات الديبلوماسية المتتالية التي حققتها بلادنا في الآونة الأخيرة، تحت القيادة الحكيمة والمتبصرة لجلالته، الذي يقود باقتدار وبعد نظر مسلسل تسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، حيث توج هذا المسار باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا ومؤخرا باعتراف كل من فرنسا وفنلندا الاسكندنافية ودولة الدومينيكان وغيرها من الدول بسيادة المغرب على كل ربوع الأقاليم الجنوبية المسترجعة. وقد أثمرت هذه الانتصارات الديبلوماسية فتح العديد من الدول قنصليات وتمثيليات لها بمدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية، والتي وصل عددها إلى 29 قنصلية وتمثيلية منها 17 بمدينة الداخلة كان اخرها فتح قنصلية عامة لدولة تشاد تزامنا مع تخليد الذكرى 45 لاسترجاع إقليم وادي الذهب، يوم 14 غشت 2024.
وبهذه المناسبة، أعدت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير برنامجا للأنشطة والفعاليات المخلدة لهذه الذكرى، وذلك على الشكل التالي :
الخميس 26 دجنبر 2024، على الساعة الثانية عشرة والنصف زوالا بإقليم فجيج:
-تنظيم لقاء تواصلي بقاعة الاجتماعات بعمالة إقليم فجيج بمدينة بوعرفة؛
*الجمعة  27 دجنبر 2024، على الساعة الثالثة بعد الزوال بالمركب السوسيو-ثقافي أولاد الحاج بالرشيدية:
-تنظيم مهرجان خطابي وحفل تكريمي تخليدا للذكرى 91 لمعارك جبل بادو الخالدة؛
*السبت 28 دجنبر 2024، على الساعة الثالثة بعد الزوال بفضاء الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير بجماعة أغبالونكردوس:
    – تنظيم ندوة فكرية، في موضوع: « معتقل أغبالونكردوس: بين النضال الوطني والتربية على المواطنة ».
كما سيتم بنفس المناسبة، وعلى مألوف العادة في كل سنة، تنظيم برامج أنشطة وفعاليات تربوية وثقافية وتواصلية مع الذاكرة التاريخية بسائر النيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية، وكذا بفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير المفتوحة  عبر التراب الوطني وتعدادها 104 وحدة/فضاء، بتنسيق وشراكة مع القطاعات الحكومية والمؤسسات العمومية والهيآت المنتخبة والجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، وبحضور قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وأرامل وذوي حقوق المتوفين منهم وعموم المواطنين وسائر فئات وأطياف المجتمع.

توقيع اتفاقية تعاون وشراكة

في سبيل إعطاء دفعة قوية ومحتوى ملموس للتعاون الثنائي حول القضايا ذات الاهتمام المشترك توقيع اتفاقية تعاون وشراكة يين المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ووزارة قدماء المحاربين لتحرير الوطن بجمهورية غينيا بيساو

في سياق  توطيد وتمتين آليات التعاون والعمل المشترك بين المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والمؤسسات والمنظمات النظيرة والمعنية بتدبير شؤون وقضايا قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وقدماء المحاربين بالبلدان الشقيقة والصديقة، جرت صباح يوم الثلاثاء 7 يناير 2025 بمقر المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالرباط، مراسم توقيع اتفاقية  تعاون وشراكة  بين المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير ووزارة قدماء  المحاربين لتحرير الوطن بجمهورية غينيا بيساو.

وفي كلمته بالمناسبة، ثمن  السيد  مصطفى الكتيري، المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير علاقات الصداقة الوطيدة  والمتينة  التي تربط  بين المملكة المغربية وجمهورية غينيا بيساو، مستحضرا جوانب من العمل  المشترك  إبان فترة نضالات الحركات التحريرية الإفريقية ،ومشددا على واجب ترصيد قيم التضامن الإفريقي والتعاون البيني التي يزخر بها المشترك النضالي والذاكرة التاريخية المشتركة التي تقاسمتها شعوب إفريقية امنت بوحدة المصير ، فانخرطت في وحدة النضال التحريري  التي حمل رسالتها جيل القادة الماهدين للعمل الوطني التحريري. 

كما أكد على  أهمية توقيع  اتفاقية التعاون والشراكة  يين المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير  بالمملكة المغربية  ووزارة قدماء المحاربين  لتحرير الوطن   بجمهورية غينيا بيساو ،والتي  تجسد امتدادا لبروتوكول  اتفاقية التعاون الثنائي  الموقع في 28 أبريل 1997 بالرباط.

وأضاف موضحا أن من شأن  تعزيز علاقات التعاون الثنائي بين البلدين الصديقين،  من خلال  تثمين الذاكرة  التاريخية  المشتركة والمتقاسمة بينهما ،  بجعلها رافدا من روافد بناء الحاضر والمستقبل، ورسالة موجهة للناشئة والشباب والأجيال الصاعدة لاستقراء صفحات التاريخ المشترك والتزود من القيم الإنسانية التي يكتنزها.

وتطوير السياسات العمومية لضمان العيش الكريم لقدماء المحاربين من أجل  الحرية والوطن بجمهورية غينيا بيساو وقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير بالمملكة  المغربية.

من جانه أعرب  السيد  علي حجازي ، وزير قدماء المحاربين لتحرير الوطن بجمهورية غينيا بيساو، عن اعتزازه  بتواجده  برحاب مؤسسة وطنية تضطلع بتدبير الشأن العام لقطاع المقاومة وجيش التحرير بالمغرب، مثمنا  الدعم  السياسي والدبلوماسي واللوجيستكي والاقتصادي والمادي لمغرب ما بعد الاستقلال في ستينات القرن الماضي للحركات الوطنية و التحريرية  الإفريقية الي خاضت غمار الكفاح الوطني من أجل تحريرها من ربقة الاستعمار بكل من غينيا بيساو والموزمبيق وأنغولا وغيرها.

كما أكد على أهمية إشاعة فصول وأطوار الذاكرة المشتركة والمتقاسمة بين البلدين، بجعلها رافدا من روافد بناء الحاضر والمستقبل، ورسالة موجهة للناشئة والشباب والأجيال الصاعدة لاستقراء صفحات التاريخ المشترك والتزود من القيم الإنسانية التي يكتنزها.

إثر ذلك، وقع   كل من السيد مصطفى الكتيري المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير والسيد علي حجازي ، وزير قدماء المحاربين  لتحرير الوطن بجمهورية غينيا بيساو على اتفاقية التعاون والشراكة  التي تهدف إلى  إعطاء زخم جديد ودفعة قوية للتعاون القطاعي بين البلدين في مجال تدبير شؤون قدماء المحاربين  وقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير.

وتنص  هذه الاتفاقية  على اعتماد أوجه التعاون البيني والشراكة بين المؤسستين والاستثمار في جوانب وفصول الذاكرة التاريخية المشتركة لمرحلة النضال من أجل التحرر والاستقلال والسيادة الوطنية والوحدة الترابية  من خلال تبادل الخبرات والتجارب  و الوثائق، والتنظيم المشترك للأنشطة والتظاهرات  ذات الصلة  بصيانة وتثمين المصادر المادية واللامادية للذاكرة التاريخية الوطنية والمشتركة ، المرتبطة بحركات التحرير الوطني بالبلدين، وإشاعة قيمها ومثلها العليا في أوساط الأجيال الصاعدة والناشئة بالبلدين.

 كما يتعهد الطرفان بالمساهمة في الارتقاء بالأوضاع المادية والاجتماعية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وقدماء المحاربين من أجل الحرية و الوطن،  وتشجيع وتسهيل  سبل التواصل فيما بينهم   ، وكذا تعزيز صيغ وسبل  التعاون الدولي ودعم  الحضور القوي في المحافل الدولية، وكذا  توسيع مجال التعاون والشراكة في المجالات الأخرى ذات الاهتمام المشترك.

هذا ، ويشار الى أن السيد مصطفى الكتيري، المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، استقبـل بمكتبه زوال يـوم الاثنين 6 يناير  2025، السيد علي حجازي، وزير قدماء المحاربين  من أجل الحرية والوطن بجمهورية غينيا بيساو  مرفوقا بمساعده التقني السيد أوري بالدي.

وخلال هذا اللقاء تم التأكيد على  الأهمية التي يكتسيها موضوع  تبادل التجارب والخبرات والوثائق التاريخية التي لها صلة أساسا بالذاكرة التاريخية  لكلا البلدين، خاصة الجانب المتعلق بمسار الكفاح الوطني من أجل التحرر والاستقلال والسيادة الوطنية والوحدة الترابية ؛وتلقين مضامينها وقيمها وإشاعة دروسها وعبرها ودلالاتها العميقة في صفوف الأجيال الناشئة والجديدة.

وفي معرض حديثه، استعرض السيد المندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير  المبادرات التي تضطلع بها المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير  من أجل  تحسين الأوضاع المادية والاجتماعية والمعيشية والصحية للمنتمين لأسرة المقاومة وجيش التحرير ،وتطوير وتنمية ورش التشغيل الذاتي والعمل المقاولاتي لتيسير إدماج بنات وأبناء قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في النسيج الاقتصادي والاجتماعي.

كما أكد مواصلتها لمجهود حفظ الذاكرة التاريخية الوطنية والمتقاسمة والمشتركة مع العديد من البلدان  الشقيقة والصديقة، وكذلك استنساخ الوثائق التاريخية ذات الصلة بتاريخ الكفاح الوطني والمقاومة وجيش التحرير بالمغرب والمودعة بمراكز الأرشيف الأجنبية ، مشيرا إلى ضرورة العمل على إخصاب  وتثمين وتدوين فصول  الذاكرة التاريخية المشتركة بين  المملكة المغربية وجمهورية غينيا بيساو تثمين، بما من شأنه  تقوية وتعزيز علاقات التعاون والشراكة  بين البلدين الصديقين.

وتواصل برنامج زيارة  العمل والصداقة التي يقوم بها السيد  وزير قدماء المحاربين  لتحرير الوطن  بجمهورية غينيا بيساو مرفوقا بمساعده التقني لبلادنا في الفترة الممتدة  ما بين 6و8 يناير الجاري ، بزيارة ضريح محمد الخامس للترحم على الروح الطاهرة لأب الأمة وبطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس، ورفيقه في الكفاح والمنفى  جلالة المغفور له الحسن الثاني رضوان الله عليهما.

تخليد معركة الهري المجيدة في ذكراها العاشرة بعد المائة

تخليد معركة الهري المجيدة في ذكراها العاشرة بعد المائة،
تجسيد لأروع صور الشهامة والتضحية دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية
وذودا عن حمى الوطن وحياضه وحوزته

بكل مظاهر الاعتزاز والإكبار، وفي غمرة أجواء الحماس الوطني الفياض والتعبئة المستمرة واليقظة الموصولة، خلدت أسرة المقاومة وجيش التحرير وساكنة إقليم خنيفـرة، يوم الأربعاء 13 نونبر 2024، الذكرى العاشرة بعد المائــة لمعركة الهري المجيدة، التي جسدت أروع صور الكفاح الوطني الذي خاضه المغاربة في مواجهة حملات تسرب الجيوش الأجنبية الغازية لبسط سيطرتها على منطقة الأطلس المتوسط سنة 1914، هذه المعركـة التي انتصبت معلمة وضاءة في تاريخ الكفاح الوطني وبرهنت بجلاء عن مدى صمود الشعب المغربي في مواجهة الوجود الأجنبي والتسلط الاستعماري على إثر فرض عقد الحماية في 30 مارس 1912.
فبعدما تم احتلال ما كان يسمى حسب « ليوطي » ب « المغرب النافع »، السهول والهضاب والمدن الرئيسية؛ وبعدما تمكن الجيش الفرنسي من ربط المغرب الشرقي بالجناح الغربي من الوطن عبر تازة في ماي 1914، توجهت أنظار الإدارة الاستعمارية نحو منطقة الأطلس المتوسط، وبالضبط صوب مدينة خنيفرة لتطويقها وكسر شوكة مقاومتها، في أفق فتح الطريق بين الشمال والجنوب عبر هذه القلعة الصامدة، التي شكلت إحدى المناطق التي اتخذها المقاومون ساحة للنزال والمواجهة مع المستعمر الأجنبي.
 وقد تأكدت هذه الخطورة من خلال التصريح الذي أدلى به المقيم العام « ليوطي » حيث قال يوم 2 ماي 1914: « إن بلاد زيان تصلح كسند لكل العصاة بالمغرب الأوسط، وإن هذه المجموعة الهامة في منطقة احتلالنا وعلاقتها المستمرة مع القبائل الخاضعة، يشكل خطرا فعليا على وجودنا. فالعصاة المتمردون والقراصنة مطمئنون لوجود ملجإ وعتاد وموارد وقربها من الجيش ومناطق الاحتلال جعل منها تهديدا دائما لمواقعنا، فكان من الواجب أن يكون هدف سياستنا، هو إبعاد كل الزيانيين بالضفة اليمنى لأم الريع ».    
في حمأة هذه الظروف العصيبة، انطلقت أولى العمليات العسكرية، وأنيطت مهمة القيادة بالجنرال « هنريس » الذي اعتمد في سياسته على أسلوب الإغراء، حيث حاول التقرب من القائد المجاهد موحى وحمو الزياني، الذي كان يرد بالرفض والصمود في موقعه والتصعيد في مقاومته. حينئذ، تبين للفرنسيين أن قضية زيان لا يمكن الحسم فيها إلا عن طريق استخدام القوة. وبالفعل، فقد بدأت سلسلة من الهجومات على المنطقة، وفوض « ليوطي » للجنرال « هنريس » كامل الصلاحية واختيار الوقت المناسب لتنفيذ هجوماته وعملياته العسكرية               
وتمكنت القوات الاستعمارية من احتلال مدينة خنيفرة، بعد مواجهات عنيفة. إلا أن التفوق العسكري الذي أظهرته لم يمكنها من احتواء موحى وحمو الزياني الذي عمد إلى تغيير استراتيجية مقاومته، وإخلاء المدينة المحتلة تفاديا للاستسلام والرضوخ للإرادة الاستعمارية، وسعيا للاعتصام بالجبال المحيطة بخنيفرة، وبالضبط بقرية الهري قرب نهر اشبوكة، وفي انتظار أن تتغير الظروف، خاصة وأن أجواء الحرب العالمية الأولى غدت تخيم على أوروبا.
في خضم هذه الملابسات، تلقى المقيم العام « ليوطي » برقية من الحكومة الفرنسية جاء فيها: « ينبغي في حالة الحرب أن تبذلوا جهودكم للاحتفاظ في المغرب بعدد من القوات لا يمكن الاستغناء عنها ، إن مصير المغرب يتقرر في « اللورين ». وينبغي أن يقتصر احتلال المغرب على موانئ الشواطئ الرئيسية إذا كان ممكنا على خط المواصلات خنيفرة، مكناس، فاس، وجدة ».       
وما أن ذاع خبر وصول موحى وحمو الزياني إلى قرية الهري حتى سارعت القيادة الاستعمارية إلى تدبير خطة الهجوم المباغت على المجاهدين، غير آبهة بالأبرياء من أطفال وشيوخ ونساء. وفي هذا الوقت، قرر الكولونيل » لافيردير  » القيام بهجوم على معسكر المجاهدين، وكان ذلك ليلة 13 نونبر 1914.
لقد تم الإعداد لهذا الهجوم بكل الوسائل الحربية المتطورة، وبحشد عدد كبير من الجنود. وفي هذا السياق، يشير الأستاذ محمد المعزوزي إلى قيام المحتل الأجنبي بتنفيذ خطته يوم 12 نونبر 1914 حيث تحرك بأربع فرق تضم 1300 جنديا، معززة بالمدفعية، وتوجه إلى معسكر الهريحيث قام بهجوم مباغث على الدواوير ومناطق المجاهدين. 
لقد كان الهجوم على معسكر القائد موحى وحمو الزياني عنيفا، حيث بدأ في الساعة الثالثة صباحا، وتم تطويق المعسكر من أربع جهات في آن واحد، ليبدأ القصف العنيف، حيث قذفت الخيام المنتصبة التي تضم الأبرياء، وقام الجنود بأمر من « لافيردير » بمهاجمة القبائل المحيطة بالقرية، فيما اغتنم البعض الآخر الفرصة للاستيلاء على قطعان من الأغنام والأبقار ولاختطاف النساء متوهما بذلك الانتصار على المجاهدين الأشاوس.    
وانتشرت الآلية العسكرية للقوات الاستعمارية، وقامت باكتساح الجبل لتمشيطه من المقاومة، وبذلك تحولت منطقة الهريالى جحيم من النيران، وسمعت أصوات الانفجارات في كل المناطق المجاورة، وظن قائد الحملة العسكرية المنظمة على الهريأن النصر صار حليفه، وأنه وضع حدا لمقاومة موحى وحمو الزياني والمجاهدين من قبائل زيان والقبائل المجاورة. 
غير أنه أصيب بخيبة أمل حينما فوجئ برد فعل عنيف من قبل المجاهدين، ليدرك أنه ألقى بنفسه وبقوته في مجزرة رهيبة وحلقة مغلقة لا سبيل للخروج منها.  
وبالفعل، فقد كان رد المقاومة عنيفا وأشد بأسا حيث زاد عدد المقاومين بعد انضمام سائر القبائل الزيانية والمجـاورة لها وهـي قبائــل اشقيـرن، آيت اسحـاق، تسكـارت، أيتاحند، ايت يحيى، آيت نوح، آيتبومـزوغ، آيت خويا، آيت شارط وآيتبويشي، وتم استخدام كل أساليب القتال من بنادق وخناجر وفؤوس، وقد تحمست كل هذه القبائل لمواجهة المحتل للثأر لنفسها ولزعيم المقاومة موحى وحمو الزياني، وأبانت عن روح قتالية عالية. ومما زاد من دهشة القيادة الاستعمارية، الحضور التلقائي والمكثف والسريع للقبائل رغم المسافات التي تفصل بينها. 
لقد كانت أرض الهريمن أكبر المقابر العارية لقوات الاحتلال، حيث قدرت خسائر القوات الاستعمارية ب: 33 قتيلا من الضباط، و580 قتيلا من الجنود، و176 جريحا، وغنم المقاومون 3 مدافع كبيرة، و10 مدافع رشاشة، وعددا كبيرا من البنادق. كما قام موحى وحمو الزياني في16 نونبر 1914، أي بعد مرور ثلاثة أيام على معركة الهري بتصديه بفرقة مكونة من 3000 مجاهد لزحف العقيد « دوكليسيس » الذي كان قادما من تادلة لنجدة وإغاثة ما تبقى من الجنود المقيمين بخنيفرة، فكبده المجاهدون خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.  
هكذا، جسدت هزيمة الهرينقطة سوداء في وجود الاستعمار الفرنسي شمال افريقيا، في حين خلفت بصمات مشرقة في تاريخ المغرب المعاصر. وفي هذا الصدد، أورد الجنرال « كيوم »،أحدالضباطالفرنسيينالذينشاركوافيالحملةعلىالأطلسالمتوسطفيمؤلفه « البربرالمغاربةوتهدئةالأطلسالمتوسط 1912 – 1933″،أنالقواتالفرنسية « لمتمنقطفيشمالإفريقيابمثلهذهالهزيمةالمفجعة ».
وإن أسرة المقاومة وجيش التحرير وهي تستحضر بفخر واعتزاز  فصول هذه الملحمة التاريخية الغنية بالدروس والعبر والطافحة بالدلالات والمعاني والقيم، لتجدد وتؤكد التعبئة المستمرة والتجند الموصول لسائر فئات وشرائح المجتمع والقوى الحية والشعب المغربي قاطبة وراء صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله من أجل الترافع عن قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية، والتي دعا جلالته إلى الانتقال بها « من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير » مشدداً على أنها « القضية الأولى لجميع المغاربة ». كما أكد جلالته في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، يوم الجمعة 11 أكتوبر 2024، في نفس المضمار: « لقد قلت، منذ اعتلائي العرش، أننا سنمر في قضية وحدتنا الترابية، من مرحلة التدبير، إلى مرحلة التغيير، داخليا وخارجيا، وفي كل أبعاد هذا الملف. ودعوت كذلك للانتقال من مقاربة رد الفعل، إلى أخذ المبادرة، والتحلي بالحزم والاستباقية ».
كما تثمن عاليا الانتصارات الدبلوماسية المتتالية التي حققتها بلادنا في الآونة الأخيرة تحت القيادة الحكيمة والمتبصرة لجلالته الذي يقود بحكمة واقتدار وتبصر وبعد نظر مسلسل تسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، حيث توج هذا المسار باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا ومؤخرا باعتراف كل من فرنسا وفنلندا الاسكندنافية ودولة الدومينيكان وغيرها من الدول بسيادة المغرب على كل ربوع الأقاليم الجنوبية المسترجعة. وقد أثمرت هذه الانتصارات الدبلوماسية فتح العديد من الدول قنصليات وتمثيليات لها بمدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية، والتي وصل عددها إلى 29 قنصلية وتمثيلية منها 17 بمدينة الداخلة كان أخرها فتح قنصلية عامة لدولة تشاد تزامنا مع تخليد الذكرى 45 لاسترجاع إقليم وادي الذهب، يوم 14 غشت 2024.
واحتفاء بهذه المناسبة التاريخية الغراء بما يليق بها من مظاهر الاعتزاز والإكبار، وإبرازا لدلالاتها التاريخية وإشاعة لقيمها النبيلة في أوساط الشباب والناشئة والأجيال الجديدة، نظمت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يوم الأربعاء 13 نونبر 2024 على الساعة العاشرة والنصف صباحا، بالجماعة القروية الهريبإقليم خنيفرة، مهرجانا خطابيا، ألقيت خلاله كلمات وعروض وشهادات، تستحضر الدلالات الرمزية والأبعاد التاريخية لهذه المعركة المفصلية في مسيرة الكفاح الوطني الطافحة بروائع النضالات من أجل الحرية والاستقلال والوحدة الوطنية.
كماجرت مراسم تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وتوزيع إسعافات اجتماعية على عدد من أفراد هذه الأسرة المجاهدة الجديرة بموصول الرعاية وشامل العناية.
ومعلوم أنه قد أقيمت في سائر جهات وعمالات وأقاليم المملكة برامج أنشطة وفعاليات بالمناسبة، أشرفت عليها النيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية وفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير، من ندوات ومحاضرات، بما فيها عرض إصدارات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وكذا تم تنظيم زيارات لفائدة الفئات العمرية على اختلافها، لفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير البالغ تعدادها 104 وحدة-فضاء، مفتوحة عبر ربوع التراب الوطني.
 

تخليد الذكرى68 لانطلاق عمليات جيش التحرير بالجنوب المغربي

تخليد الذكرى68 لانطلاق عمليات جيش التحرير بالجنوب المغربي

والذكرى 67 لانتفاضة قبائل ايت باعمران،

استحضار تاريخي لأروع دروس التضحية والفداء والتلاحم المتين القائم

بين العرش والشعب دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية

 

في غمرة أجواء الاحتفاء بالذكرى 49 للمسيرة الخضراء المظفرة، والذكرى 69 لعيد الاستقلال المجيد، خلد الشعب المغربي  ومعه أسرة المقاومة وجيش التحرير في هذه السنة الذكرى 68 لانطلاق عمليات جيش التحرير بالجنوب المغربي، والذكرى 67 لانتفاضة قبائل آيت باعمران، هذه الملاحم التي تعتبر  محطات بارزة ووازنة في مسيرة الكفاح الوطني من أجل استكمال الاستقلال  الوطني وتحقيق الوحدة الوطنية و الترابية.

لقد خاض المغرب عبر التاريخ نضالات مريرة وملاحم بطولية في مواجهة المحتل الأجنبي  الذي لم يدخر جهدا لبسط نفوذه وهيمنته على التراب الوطني قرابة نصف قرن، فقسم البلاد إلى مناطق نفوذ موزعة بين الحماية الفرنسية بوسط المغرب،والحماية الإسبانية بشماله وجنوبه،فيما خضعت منطقة طنجة لنظام دولي. وهذا ما جعل مهمة تحرير التراب الوطني صعبة وعسيرة، قدم العرش والشعب في سبيلها كل غال ونفيس في سياق كفاح وطني مشرق المقاصد متلاحق المراحل طويل النفس ومميز الصيغ لتحقيق الحرية والاستقلال والوحدة الترابية والسيادة الوطنية.

ومن الصفحات المشرقة في سجل التاريخ النضالي والأمجاد الوطنية، يجدر الوقوف عند روائع ومنارات وضاءة على درب التحرير. فمن الانتفاضات الشعبية كحركة الشيخ أحمد الهيبة بالجنوب سنة 1912 إلى معركة لهري بالأطلس المتوسط سنة 1914، فمعارك أنوال بالريف سنة 1921 ومعارك بوغافربتنغير، ومعارك جبل بادو بالرشيدية سنة 1933، وغيرها من المحطات التاريخية الطافحة بالمواجهات والمقاومات ضد المحتل الأجنبي. كما اتخذت أشكال وأساليب النضال السياسي كمناهضة ما سمي « بالظهير البربري«  بين أبناء الوطن الواحد والتفريق، بين العرب والأمازيغ سنة 1930، وتقديم مطالب الشعب المغربي الإصلاحية والمستعجلة في 1934 و1936،فتقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944، وهي محطات نضالية جاهد بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه لبلورة توجهاتها وأهدافها ورسم معالمها وإذكاء إشعاعها منذ توليه عرش أسلافه المنعمين في 18 نونبر 1927، حيث جسد الملك المجاهد قناعة شعبه في التحرير وإرادته في الاستقلال، ومثل بنضاله المستميت وتضحياته الجسام رمزا للمقاومة والفداء، ووقف معلنا ومجددا مطالب المغرب في الحرية والاستقلال ومؤكدا انتماءه العربي الإسلامي في خطاب طنجة التاريخي في  ابريل 1947،مؤكدا العزم على إنهاء الوجود الاستعماري وتمسك المغرب بمقوماته الأصيلة وثوابته العريقة.

 وستتواصل وستتعزز هذه المواقف الرائدة والوازنة بمبادرات وتوجهات جلالته رضوان الله عليه في التصدي لكل أشكال الهيمنة الاستعمارية ومحاولات طمس الهوية الوطنية وإدماج المغرب فيما سمي بالاتحاد الفرنسي، وبلغ التحدي بسلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية حد الإقدام على مؤامرتها الشنيعة وفعلتها النكراء بنفي بطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس ورفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني رضوان الله عليهما والأسرة الملكية الشريفة في 20 غشت 1953، اعتقادا منها بأنها بهذا الاعتداء الجائر، ستفك الميثاق التاريخي بين الحركة الوطنية ورائدها ،وستفصل بين العرش والشعب وتحد من جذوة الكفاح الوطني المتقد والمتوهج. إلا أن تداعيات هذه المؤامرة لم تزد السلطان الشرعي إلا صمودا وتمسكا بالدفاع عن مقدسات وطنه، ولم تزد المغاربة إلا قوة في النضال وتفجير طاقاتهم الثورية من أجل عودة الشرعية.وهو ما تحقق في 16 نونبر 1955 بعودة بطل التحرير والاستقلال  جلالة المغفور له محمد الخامس والأسرة الملكية الشريفة من المنفى إلى أرض الوطن ،مظفرا منصورا حاملا لواء الحرية والاستقلال، وهي المحطة التاريخية التي يخلد الشعب المغربي من أدناه إلى أقصاه هذه الأيام، ذكراها التاسعة والستين، في أجواء غامرة بالاعتزاز والإكبار والوفاء لقائدها الخالد بطل التحرير،ولأمجاد عيد الاستقلال.

لم يكن انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال إلا بداية لملحمة الجهاد الأكبر لبناء صروح المغرب الجديد الذي كان من أولى قضاياه ومهماته الأساسية تحرير ما تبقى من التراب الوطني من نير الاحتلال والنفوذ الأجنبي. وفي هذا المضمار، تواصلت مسيرة الكفاح الوطني وكان انطلاق طلائع وقوات جيش التحرير بالجنوب المغربي سنة 1956 ،تعبيرا قويا يجسد إرادة العرش والشعب في استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية.وهكذا،خاض أبناء القبائل الصحراوية وإخوانهم المجاهدون الوافدون من كافة الجهات والمناطق المحررة غمار عدة معارك بطولية على امتداد ربوع الساقية الحمراء ووادي الذهب. واكتسح أبطال جيش التحرير الربوع المجاهدة في الأجزاء المغتصبة من التراب الوطني بالأقاليم الصحراوية ليحققوا ملاحم بطولية وانتصارات باهرة لم تجد القوات الاسبانية أمامها إلا أن تتحالف مع القوات الفرنسية فيما سمي بعملية ايكوفيون أو معركة « المكنسة ».

ومن هذه المعارك البطولية، نذكر معارك الدشيرة والبلايا والمسيد وأم العشار والرغيوة واشت والسويحاتومركالة وغيرها من الوقائع التي ما من شبر بربوع الصحراء الا وينطق باسمها وبأسماء أبطالها.

ومن معارك التحرير أيضا كان يوم 23 نونبر 1957 يوما خالدا في تاريخ المغرب، حينما انتفضت قبائل آيتباعمران ضد الوجود الأجنبي والتسلط الاستعماري،مواصلة مواقفها الوطنية لتدخل في معارك طاحنة لقنت خلالها المحتل الاسباني دروسا في الوطنية والنضال والتضحية حيث شهد هذا اليوم هجومات مركزة على ستة عشر مركزا اسبانيا في آن واحد، تراجعت على إثرها القوات العسكرية  إلى الوراء لتتحصن بمدينة سيدي إفني. وقد دامت هذه المعارك البطولية حتى الثاني عشر من شهر دجنبر من نفس السنة،تكبدت خلالها قوات الاحتلال خسائر فادحة في الأرواح والعتاد بالرغم من محدودية عدد المجاهدين الباعمرانيينوتواضع وسائل عتادهم الحربي.ومن هذه البطولات الخالدة، نذكر معارك: تبلكوكت، بيزري، بورصاص، تيغزة، امللو، بيجارفن، سيدي محمد بن داوود، الالن تموشا، ومعركة سيدي افني، وتمكن مجاهدو قبائل آيتباعمران من إجبار القوات الاسبانية على التمركز بسيدي إفني، كما أقاموا عدة مواقع أمامية بجوار المواقع الاسبانية لكي لا يتركوا لقوات الاحتلال  الأجنبي مجالا للتحرك.

وتواصلت مسيرة التحرير المباركة على كافة الواجهات الوطنية وفي المحافل الدبلوماسية الدولية، وظل الملك المجاهد جلالة المغفور له محمد الخامس رضوان الله عليه يجاهر بحق المغرب في تحرير صحرائه، ومن ذلك خطابه التاريخي بمحاميد الغزلان في 25 فبراير 1958 حيث استقبل جلالته وفود وممثلي واعيان ووجهاء قبائل الصحراء الذين هبوا رغم الحصار المضروب على مناطقهم للقاء الملك المجاهد وتجديد البيعة له وتأكيد تجندهم دفاعا عن مقوماتهم وهويتهم الوطنية. وقد عرفت سنة 1958 كسب رهان من رهانات مسيرة استكمال الوحدة الترابية تمثل في استرجاع منطقة طرفاية.

وواصل المغرب بقيادة جلالة المغفور له الحسن الثاني مسيرة التحرير بكل عزم وإيمان. وتمكنت بلادنا بفضل الالتحام الوثيق بين العرش والشعب من استعادة مدينة سيدي إفني في 30 يونيو 1969 وتكللت المساعي والتحركات النضالية بالمسيرة التاريخية الكبرى، مسيرة فتح المظفرة في 6 نونبر 1975 التي جسدت قوة التعبئة الوطنية وعمق الإيمان دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية وعبقرية ملك استطاع بحكمته وحنكته وبعد نظره أن يحقق استرجاع الأجزاء المغتصبة من الوطن. وهكذا ،سارت مواكب المتطوعين والمتطوعات 6350.000 لتحطيم الحدود الوهمية وصلة الرحم بأبناء الوطن، وكان النصر حليف الإرادة الوطنية للمغاربة من شمالالوطن إلى أقصى الجنوب، لترتفع راية الوطن خفاقة في سماء العيون في 28 فبراير 1976، إيذانا بإجلاء آخر جندي أجنبي عن الصحراء المغربية. وكذلك كان يوم 14 غشت 1979 الذي تم فيه استرجاع اقليم وادي الذهب إلى الوطن، محطة بارزة وحاسمة في مسلسل ملحمة الوحدة الوطنية وإنهاء فترة من التقسيم والتجزئة التي عانى منها طويلا أبناء الوطن الواحد.

وإن أسرة المقاومة وجيش التحرير وهي تستحضر بفخر واعتزاز هاتين الملحمتين التاريخيتين الغنيتين بالدروس والعبر والطافحتين بالمعاني والقيم، لتؤكد وتجدد التعبئة المستمرة والتجند الموصول لسائر فئات وشرائح المجتمع والقوى الحية والشعب المغربي قاطبة وراء صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله من أجل الترافع عن قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية، والتي دعا جلالته إلى الانتقال بها « من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير »، مشدداً على أنها « القضية الأولى لجميع المغاربة ». كما أكد جلالته في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، يوم الجمعة 11 أكتوبر 2024، في نفس المضمار: « لقد قلت، منذ اعتلائي العرش، أننا سنمر في قضية وحدتنا الترابية، من مرحلة التدبير، إلى مرحلة التغيير، داخليا وخارجيا، وفي كل أبعاد هذا الملف. ودعوت كذلك للانتقال من مقاربة رد الفعل، إلى أخذ المبادرة، والتحلي بالحزم والاستباقية ».

وفي هذا السياق، تثمن أسرة المقاومة وجيش التحرير عاليا الانتصارات الدبلوماسية المتتالية التي حققتها بلادنا في الآونة الأخيرة تحت القيادة الحكيمة والمتبصرة لجلالته الذي يقود باقتدار وبعد نظر مسلسل تسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، حيث توج هذا المسار باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا ومؤخرا باعتراف كل من فرنسا وفنلندا الاسكندنافية ودولة الدومينيكان وغيرها من الدول بسيادة المغرب على كل ربوع الأقاليم الجنوبية المسترجعة. وقد أثمرت هذه الانتصارات الدبلوماسية فتح العديد من الدول قنصليات وتمثيليات لها بمدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية، والتي وصل عددها إلى 29 قنصلية وتمثيلية منها 17 بمدينة الداخلة كان آخرها، فتح قنصلية عامة لدولة تشاد تزامنا مع تخليد الذكرى 45 لاسترجاع إقليم وادي الذهب يوم 14 غشت 2024.

واحتفاء بهاتين الذكريتين بما يليق بهما من مظاهر الاعتزاز والإجلال والإكبار، وإبرازا لدلالاتهما الوطنية وأبعادهما ومقاصدهما النبيلة، نظمت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير مهرجانات خطابية ولقاءات تواصلية بمشاركة فعاليات وطنية ومحلية ألقيت خلالها كلمات وشهادات للإشادة بفصول هذه الملحمة البطولية وإبراز مكانتها المتميزة في تاريخنا الوطني الطافح بروائع النضالات من أجل الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية واستكمال الوحدة الترابية.

كما تم بهذه المناسبة تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير في الأقاليم الجنوبية السبعة، و كذا توزيع إعانات مالية وإسعافات اجتماعية على عدد من أفراد هذه الأسرة الجديرة بموصول الرعاية والعناية.

 كما احتضنت النيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية وفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير 104 المبثوثة عبر التراب الوطني برامج احتفالية أثثتها ندوات فكرية ومحاضرات وعروض وقراءات في الحدثين التاريخيين ومقاصدهما وأبعادهما.

الذكرى 69 للأعياد الثلاثةالمجيدة

الذكرى 69 للأعياد الثلاثةالمجيدة:

عيد العودة وعيد الانبعاث وعيد الاستقلال،

استحضار لفصول ملحمة تاريخية خالدة في سجل كفاح العرش والشعب

من أجل الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية والوحدة الترابية

 

بمشاعر الفخر والاعتزاز، وفي غمرة أجواء التعبئة الوطنية واليقظة الموصولة حول قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية المقدسة، خلد الشعب المغربي من طنجة إلى الكويرة، ومعه أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير، من 16 إلى 18 نونبر 2024، الذكرى 69 لعودة بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالـة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه من المنفى إلى أرض الوطن، معلنا عن انتهاء عهد الحجر والحماية وبزوغ فجر الحرية والاستقلال، والانتقال من الجهاد الأصغر التحرري إلى الجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي، وانتصار ثورة الملك والشعب المجيدة التي جسدت ملحمة بطولية عظيمة في مسيرة الكفاح الوطني الذي خاضه الشعب المغربي الأبي بقيادة العرش العلوي المنيف من اجل نيل الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية والوحدة الترابية.

وتعد ذكرى عيد الاستقلال المجيد من أغلى الذكريات الوطنية الراسخة في قلوب المغاربة لما لها من مكانة وازنة ومتميزة في رقيم الذاكرة التاريخية الوطنية، وما تمثله من رمزية ودلالات عميقة تجسد انتصار إرادة العرش والشعب والتحامهما الوثيق دفاعا عن المقدسات الدينية والثوابت الوطنية. وبتخليد هذه الذكرى المجيدة، نستحضر السياق التاريخي لهذا الحدث العظيم الذي لم يكن تحقيقه أمرا يسيرا أو هينا، بل ملحمة كبرى طافحة بمواقف رائعة وعبر ودروس بليغة وبطولات عظيمة وتضحيات جسام وأمجاد تاريخية خالدة صنعتها ثورة الملك والشعب التي تفجرت إيذانا بخوض غمار المواجهة والمقاومة، وتشبثا بالوطنية الحقة وبالمواطنة الايجابية في أسمى وأجل مظاهرها.

لقد شكلت عودة الشرعية والمشروعية التاريخية بعودة بطل التحرير والاستقلال، نصرا مبينا وحدثا تاريخيا حاسما، توج بالمجد والخلود مراحل الكفاح المرير الذي تلاحقت أطواره وتعددت مظاهره وصوره في مواجهة الوجود الاستعماري المفروض منذ 30 مارس سنة 1912، حيث خلد المغاربة أروع مواقف وقيم الغيرة الوطنية والالتزام والوفاء، وبذلوا أغلى التضحيات في سبيل عزة الوطن وكرامته والدفاع عن مقدساته وثوابته. فكثيرة هي المعارك البطولية والانتفاضات الشعبية التي خاضها أبناء الشعب المغربي بكافة ربوع المملكة في مواجهة مستميتة للوجود الأجنبي والتسلط الاستعماري. ومن هذه البطولات، نذكر معارك الهري وأنوال وبوغافر وجبل بادو وسيدي بوعثمان وانتفاضة قبائل آيتباعمران والأقاليم الجنوبية وغيرها من المحطات التاريخية التي لقن فيها المجاهدون للقوات الاستعمارية دروسا بليغة في الصمود والمقاومة والتضحية.

ومن روائع الكفاح الوطني، ما قامت به الحركة الوطنية مع مطلع الثلاثينات من القرن الماضي بالانتقال إلى النضال السياسي والعمل الوطني الهادف بالأساس إلى نشر الوعي الوطني وإذكاء الهمم وشحذ العزائم في صفوف الناشئة والشباب وداخل أوساط المجتمع المغربي بكل أطيافه وفئاته وطبقاته. كما عملت الحركة الوطنية على التعريف بالقضية المغربية في المحافل الدولية، مما كـان لـه أكبر الوقع وأبلغ الأثر على الوجود الأجنبي، الذي كان يواجه النضال السياسي الوطني بإجراءات تعسفية ومخططـات مناوئة للفكر التحرري الذي تنشره وتشيعه الحركة الوطنية بتشاور وتناغم مع أب الأمة وبطل التحرير والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه.

ومن ابرز هذه المخططات الاستعمارية، مشروع التفرقة بين أبناء الشعب المغربي الواحد وتفكيك وحدتهم وطمس هويتهم الدينية والوطنية بإصدار ما سمي بالظهير البربري يوم 16 ماي 1930. لكن المخطط العنصري والتمييزي سرعان ما باء بالفشل حيث وقف الوطنيون والمناضلون في خندق مواجهة ومناهضة الوجود الاستعماري، وتمسك المغاربة بالدين الإسلامي الحنيف وبالهوية المغربية وبالوحدة الوطنية.

ومن تجليـات وإفرازات النضـال الوطنـي، إقدام صفوة من طلائع وقادة الحركة الوطنية على تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال الى سلطات الحماية يوم 11 يناير 1944، بتشاور وتناغم تامين مع بطل التحريـر والاستقلال جلالة المغفور له محمد الخامس اكرم الله مثواه، وما أعقب ذلك من ردود فعل عنيفة من لدن السلطات الاستعمارية، حيث تم اعتقال بعض قادة وزعماء ورجالات الحركة الوطنية والتنكيل بالمغاربة الذين أظهروا حماسا وطنيا منقطع النظير وعبروا بشجاعة وشهامة عن تأييدهم للوثيقة التاريخية. كما أن من ابرز هذه المحطات التاريخية التي ميزت مسار الكفاح الوطني، رحلة الوحدة التاريخية التي قام بها أب الوطنية وبطل التحرير والاستقلال إلى طنجة يوم 9 ابريل 1947 تأكيدا على تشبث المغرب، ملكا وشعبا، بحرية الوطن واستقلاله ووحدته الترابية وتمسكه بمقوماته وهويته وبانتمائه لمحيطه العربي والإسلامي.

لقد كان لهذه الرحلة الميمونة، رحلة الوحدة، الأثر البالغ على علاقة الإقامة العامة للحماية الفرنسي بالقصر الملكي حيث اشتد الصراع، خاصة وأن جلالة المغفور له محمد الخامس لم يرضخ لضغوط سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية المتمثلة أساسا في فك الارتباط بالحركة الوطنية ومع المد التحرري الوطني. فكانت مواقفه الرافضة لكل مساومة مدعاة لتأزم الوضع السياسي وإقدام سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية على تدبير مخطط تفكيك العرى الوثقى  بين الملك وشعبه. وقد تصدى المغاربة لهذه المؤامرة التي لاحت خيوطها في الأيام الأولى من شهر غشت 1953 حيث وقف سكان مدينة مراكش بالمرصاد يومي 14 و15 غشت 1953 للحيلولة دون تنصيب صنيعة الاستعمـار ابن عرفة. كما انطلقت انتفاضة 16 غشت 1953 بوجدة، وانتفاضة 17 غشت 1953 بتافوغالت، وعمت مواقف الاستنكار والتنديد بالفعلة النكراء لقوات الاحتلال الأجنبي في سائر ربوع الوطن حينما أقدمت سلطات الإقامة العامة للحماية الفرنسية على محاصرة القصر الملكي بقواتها الأمنية والعسكرية يوم 20 غشت 1953، مهددة ومتوعدة جلالة المغفور له محمد الخامس بالتنازل عن العرش، ففضل طيب الله ثراه النفي على أن يرضخ لإرادة المحتل الأجنبي، مصرحا بكل ما أوتي من إيمان بالله وقناعة بعدالة القضية المغربية، بأنه الملك الشرعي للأمة، وانه لن يضيع الأمانة التي وضعها شعبه الوفي على عاتقه وطوقه بها، والتي تجعل منه السلطان الشرعي ورمز السيادة الوطنية والوحدة الوطنية.

وأمام هذه المواقـف الوطنية النبيلة التي اتخذها بعزم وحزم وإصرار بطل التحرير والاستقلال والمقـاوم الأول جلالة المغفــور له محمد الخامس، وبكـل شجاعة وإقدام، أقدمت سلطات الإقامة العامة على تنفيذ مؤامرتها النكراء بنفيه ورفيقه في الكفاح والمنفى، جلالة المغفور له الحسن الثاني رحمة الله عليهما والأسرة الملكية الشريفة يوم 20 غشت 1953 إلى جزيرة كورسيكا ومنها إلى مدغشقر.

وما أن عم الخبر المشؤوم سائر ربوع المملكة وشاع في كل أرجائها، حتى انتفض الشعب المغربي انتفاضة عارمة، وتفجر سخطه وغضبه في وجه الاحتلال الأجنبي، وظهرت بوادر العمل المسلح والمقاومـة والفداء وتشكلت الخلايا الفدائية والتنظيمـات السرية وانطلقت العمليات البطولية لضرب غلاة الاستعمـار ومصالحه وأهدافه. وتجلى واضحا من الهبة الشعبية لثورة الملك والشعب عزم المغاربة وإصرارهم على النضـال المستميت من أجل عودة الشرعيـة والمشروعية التاريخية وتحقيق الاستقـلال. فمن العملية الفدائية الجريئة للشهيد علال بن عبد الله يوم 11 شتنبـر 1953 التي استهدفت صنيعـة الاستعمار، إلى عمليات فدائية بطولية للشهيد محمد الزرقطوني ورفاقه في خلايـا المقاومـة بالدار البيضاء وعمليات مقاومين ومناضلين بالعديد من المدن والقرى المغربية، لتتصاعد وتيرة المقاومة بالمظاهـرات والاحتجاجات العارمة والانتفاضات الشعبية المتتالية ومنها مظاهرات وادي زم وقبائل السماعلة وبني خيران وفي العديد من المناطق المغربية في 19 و20 غشت 1955، وتتكلل بالانطلاقة المظفرة لجيش التحرير بالأقاليم الشمالية للمملكة في ليلة 1-2 أكتوبر 1955.

ولم تهدأ ثائرة المقاومة والفداء إلا بتحقيق أمل الأمة المغربية في عودة بطل التحرير والاستقلال ورمز الوحدة الوطنية، جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، حاملا معه لواء الحرية والاستقلال، ومعلنا عن الانتقال من الجهاد الاصغر الى الجهاد الاكبر من أجل بناء المغرب الجديد ومواصلة ملحمة تحقيق الوحدة الترابية. فانطلقت عمليات جيش التحرير بالجنوب المغربي سنة 1956 لتخليص الأقاليم الجنوبية الصحراوية من نير الاحتلال الإسباني، وقد أعلنها بطل التحرير صيحة مدوية في خطابه التاريخي بمحاميد الغزلان في 25 فبراير 1958، وهو يستقبل وفود أبناء قبائل الصحراء، مؤكدا مواقف المغرب الثابتة وتعبئته التامة لاسترجاع صحرائه السليبة، ومحققا في 15 أبريل من نفس السنة 1958 استرجاع منطقة طرفاية، كبداية انتصار مسلسل تحرير ما تبقى من المناطق السليبة من الوطن.

وسيرا على نهج والده المنعم، خاض الملك الموحد جلالـة المغفور له الحسن الثاني رحمه الله معركة استكمــال الوحدة الترابية، فتم في عهده استرجاع مدينة سيدي ايفني في 30 يونيو 1969، كما تحقق استرجــاع أقاليمنا الجنوبية بفضل المسيرة الخضراء المظفرة التي انطلقت يوم 6 نونبر 1975، وارتفع العلم الوطني في سماء العيون يوم 28 فبراير 1976، إيذانا بجلاء آخر جندي أجنبي عنها. وفي 14 غشت من سنة 1979، تواصل استكمال الوحدة الترابية للوطن باسترجاع إقليم وادي الذهب لتتحقق الوحدة الترابية من طنجة إلى الكويرة.

وإن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تستحضر بفخر واعتزاز هذه الملحمة التاريخية الغنية بالدروس والعبر والطافحة بالمعاني والقيم، لتؤكد وتجدد التعبئة المستمرة والتجند الموصول لسائر فئات وشرائح المجتمع والقوى الحية والشعب المغربي قاطبة وراء صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله من أجل الترافع عن قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية، والتي دعا جلالته إلى الانتقال بها « من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير » مشدداً على أنها « القضية الأولى لجميع المغاربة ». كما أكد جلالته في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، يوم الجمعة 11 أكتوبر 2024، في نفس المضمار: « لقد قلت، منذ اعتلائي العرش، أننا سنمر في قضية وحدتنا الترابية، من مرحلة التدبير، إلى مرحلة التغيير، داخليا وخارجيا، وفي كل أبعاد هذا الملف. ودعوت كذلك للانتقال من مقاربة رد الفعل، إلى أخذ المبادرة، والتحلي بالحزم والاستباقية »، انتهى المقتطف من النطق الملكي السامي.

كما تثمن عاليا الانتصارات الدبلوماسية المتتالية التي حققتها بلادنا في الآونة الأخيرة تحت القيادة الحكيمة والمتبصرة لجلالته الذي يقود باقتدار وبعد نظر مسلسل تسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، حيث توج هذا المسار باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا ومؤخرا باعتراف كل من فرنسا وفنلندا الاسكندنافية ودولة الدومينيكان وغيرها من الدول بسيادة المغرب على كل ربوع الأقاليم الجنوبية المسترجعة. وقد أثمرت هذه الانتصارات الدبلوماسية فتح العديد من الدول قنصليات وتمثيليات لها بمدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية، والتي وصل عددها إلى 29 قنصلية وتمثيلية منها 17 بمدينة الداخلة كان أخرها فتح قنصلية عامة لدولة تشاد تزامنا مع تخليد الذكرى 45 لاسترجاع إقليم وادي الذهب يوم 14 غشت 2024.

واحتفاء بهذه المناسبة الوطنية الخالدة بما يليق بها من مظاهر الاعتزاز والإجلال والإكبار، وإبرازا لدلالاتها الوطنية وأبعادها ومقاصدها السامية، نظمت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يوم الاثنين 18 نونبر 2024، على الساعة الحادية عشرة والنصف صباحا، برحاب الفضاء الوطني للذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير التابع للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الكائن مقرها بالحي الإداري، أكدال الرباط، مهرجانا خطابيا ألقيت خلاله كلمات وعروض حول هذا الحدث التاريخي الخالد والطافح بالدروس والعبر التي يتوجب استحضارها وإشاعتها في صفوف الناشئة  والأجيال الجديدة والمتعاقبة.

كما تم تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وتوزيع إسعافات اجتماعية على عدد من أفراد هذه الأسرة المجاهدة الجديرة بموصول الرعاية وشامل العناية.

هذا، وأقيمت في سائر جهات وعمالات وأقاليم المملكة أنشطة وفعاليات بالمناسبة أشرفت عليها النيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية وفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير وتعدادها 104 المبثوثة عبر التراب الوطني، من خلال تنظيم وتأطير ندوات علمية وموائد مستديرة ومحاضرات ولقاءات تواصلية ومسابقات تربوية وثقافية ورياضية.

 

تخليد الذكرى 72 لانتفاضة 7 و8 دجنبر 1952 بالدار البيضاء

تخليد الذكرى  72 لانتفاضة 7 و8 دجنبر 1952 بالدار البيضاء

استحضار لفصول وأطوار  الكفاح المغاربي المشترك

وتجسيد للروح الوحدوية والحس التضامني والاستجابة لنداء الواجب والضمير المغاربي في مواجهة الوجود الاستعماري

 

حلت يومي 7 و8 دجنبر 2024 الذكرى 27 لانتفاضة 7 و8 دجنبر 1952 بالدار البيضاء، والتي اندلعت تضامنا مع الشعب التونسي الشقيق بعد أن امتدت أيدي المستعمر الفرنسي الغاشم لاغتيال الزعيم النقابي التونسي والمغاربي فرحات حشاد يوم 5 دجنبر 1952، تعبيرا من الشعب المغربي عن الروح الوحدوية والحس التضامني وقيم النضال المشترك التي تحلى بها وتمسك بها في مواجهة الاحتلال الأجنبي، وذودا عن وحدة الأوطان وعزتها، ووفاء للمثل والمبادئ والأواصر التي  تشج الشعوب  المغاربية.

لقد حاصرت القوات الاستعمارية العمال المتجمهرين بمقر المركزية النقابية وعرضتهم لشتى أنواع البطش والقمع والاضطهاد، واعتقلت المئات منهم، وزجت بهم في غياهب السجون، وسخرت عصاباتها المدججة بمختلف أنواع الأسلحة لمواجهة المتظاهرين العزل والتنكيل بهم، ومهاجمة مواكب جنائز الشهداء وجثامينهم الطاهرة في تحد سافر وخرق صارخ لأبسط حقوق الإنسان والحريات العامة والكرامة الإنسانية.

مرت على هذه المحطة التاريخية البطولية اثنان وسبعون سنة، وكلما استحضرناها، عادت إلى ذاكرتنا صور التضامن العميق والتلاحم الوثيق بين الأشقاء بالمغرب الكبير وتكاثفهم وتآزرهم في مواجهة الشدائد ومقارعة النوائب، إدراكا منهم لأهمية الكفاح المشترك سبيلا لصون مقدساتهم الدينية وثوابتهم الوطنية، وإيمانا من الشعوب المغاربية التواقة إلى التحرر والكرامة بوحدة المصير، واقتناعها الراسخ بأن قوتها تكمن في تكتل كياناتها والتنسيق بين أقطارها، فلم تستكن القوى الوطنية الحية والحركة النقابية أمام حجم الفاجعة أو تتراجع بفعل هول المصاب، بل إن اغتيال الزعيم النقابي التونسي والمغاربي فرحات حشاد كان بمثابة النقطة التي أفاضت كأس الغضب والاستنكار في الأوساط الشعبية جراء الفظاعات التي ارتكبها المحتل الأجنبي في حق الساكنة من استيلاء على الأراضي، وتشريد للعائلات، واعتقال للمناهضين لسياسته، ومصادرة للحريات العامة، الفردية والجماعية، ولحقوق الإنسان.

وقد دفعت الجماهير الشعبية ثمن انتفاضاتها واحتجاجاتها، فكانت الحصيلة ثقيلة وكارثية بسقوط عشرات الضحايا الأبرياء تحت رصاص البوليس الاستعماري. غير أن هذه الأحداث لم تكن إلا حافزا لتقوية الحس الوطني وتعميق الوازع النضالي في صفوف الجماهير الشعبية، وتقوية العمل النقابي، وتوسيع دائرة ممارسته كآلية لنشر الوعي السياسي والتحريض على مقاومة المستعمر. فتكلل هذا المسار التحرري باضطلاع عدد من المناضلين المتمرسين بالحركة النقابية بمهام قيادة الكفاح المسلح ضد الوجود الاستعماري عند اندلاع ملحمة ثورة الملك والشعب المجيدة.

لقد نذر الزعيم النقابي التونسي والمغاربي فرحات حشاد حياته للعمل النضالي في سبيل إرساء دعائم العدالة الاجتماعية وتثبيت الحقوق النقابية والسياسية وحمايتها وضمان ممارستها وتأسيس اتحادات وتكتلات نقابية قوية، وانفتاحه على العالم الخارجي، ومد جسور التواصل مع التنظيمات النقابية النظيرة إلى الحد الذي أصبح معه مصدر إزعاج للسلطات الفرنسية التي قررت الحد من طموحات هذه الشخصية الفذة المتميزة بنضالها وديناميتها وايمانها، والقوية بحضورها وإشعاعها في المشهد النقابــي وطنيا وقاريا وعالميا. فكان أن ترصد الإرهاب الاستعماري لهذا المناضل الوطني والنقابي الشهم، صباح يوم 5 دجنبر 1952، لإخماد أنفاسه متوهما أنه بجريمته النكراء تلك، سيتمكن من وضع حد للروح الوطنية ولشعلة الأفكار التحررية بالمنطقة المغاربية التي اهتزت شعوبها لهذا الفعل الشنيع، فعمت المظاهرات والانتفاضات ومظاهر الاستنكار الحواضر والبوادي في المنطقة المغاربية، واندفعت الجماهير غير مبالية بجبروت المستعمر ووسائل ترهيبه وآليات قمعه، ملتحمة على درب النضال، مسجلة أروع صور التضامن والتكافل والوفاء للأواصر الوطيدة والوشائج القوية التي تجمع بين الأشقاء المغاربيين، والنابعة من قيم الدين واللغة والجغرافية والتاريخ المشترك والمصير الواحد.

إننا ونحن نخلد هذه الذكرى الغالية، نستحضر الآمال التي ظلت الشعوب المغاربية تتطلع إليها منذ عدة عقود بتحقيق الوحدة والتكامل، والتي ظلت مجرد مشروع يتأجل باستمرار جراء نزاعات هامشية مفتعلة ومواقف مزاجية وأطماع وهمية لفرض الهيمنة والتوسع في منطقة المغرب الكبير.

وإن المغرب الذي ظل دائما قلعة شامخة للجهاد وعرينا منيعا للمقاومة والنضال، ليجدد استعداده وجاهزيته للتعاضد والتضامن مع الأشقاء المغاربيين في أفق بناء الوحدة المنشودة والسعي لتدارك الفرص الضائعة وتجاوز النزاعات المجانية التي ظلت تقف حجر عثرة في وجه تكامل واندماج اقتصادي حقيقي بمنطقة المغرب الكبير، كما أننا مدعوون لصيانة الذاكرة التاريخية المشتركة وإبراز أمجادها وملاحمها، واستلهام قيمها وعبرها بما يشحذ الهمم ويذكي العزائم ويوطد العلاقات والمصالح بين بلدانها مجتمعة.

وإن أسرة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير وهي تستحضر بفخر واعتزاز هذه الملحمة التاريخية الغنية بالدروس والعبر والطافحة بالمعاني والقيم، لتجدد موقفها الثابت من قضية وحدتنا الترابية ومغربية الأقاليم الصحراوية المسترجعة، وتؤكد وقوفها ضد مناورات خصوم وحدتنا الترابية ومخططات المتربصين بسيادة المغرب على كامل ترابه المقدس، وتعبئتها المستمرة وتجندها الموصول، على غرار سائر فئات وشرائح المجتمع والقوى الحية والشعب المغربي قاطبة، وراء صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله، من أجل الترافع عن قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية، والتي دعا جلالته إلى الانتقال بها « من مرحلة التدبير إلى مرحلة التغيير »، مشدداً على أنها « القضية الأولى لجميع المغاربة ». كما أكد جلالته في خطابه السامي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الرابعة من الولاية التشريعية الحادية عشرة، يوم الجمعة 11 أكتوبر 2024، في نفس المضمار: « لقد قلت، منذ اعتلائي العرش، أننا سنمر في قضية وحدتنا الترابية، من مرحلة التدبير، إلى مرحلة التغيير، داخليا وخارجيا، وفي كل أبعاد هذا الملف. ودعوت كذلك للانتقال من مقاربة رد الفعل، إلى أخذ المبادرة، والتحلي بالحزم والاستباقية ».

وفي هذا السياق، تثمن عاليا الانتصارات الدبلوماسية المتتالية التي حققتها بلادنا في الآونة الأخيرة، تحت القيادة الحكيمة والمتبصرة لجلالته، الذي يقود باقتدار وبعد نظر مسلسل تسوية النزاع المفتعل حول الصحراء المغربية، حيث توج هذا المسار باعتراف الولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا ومؤخرا باعتراف كل من فرنسا وفنلندا الاسكندنافية ودولة الدومينيكان وغيرها من الدول بسيادة المغرب على كل ربوع الأقاليم الجنوبية المسترجعة. وقد أثمرت هذه الانتصارات الدبلوماسية فتح العديد من الدول قنصليات وتمثيليات لها بمدينتي العيون والداخلة بالصحراء المغربية، والتي وصل عددها إلى 29 قنصلية وتمثيلية منها 17 بمدينة الداخلة كان أخرها فتح قنصلية عامة لدولة تشاد تزامنا مع تخليد الذكرى 45 لاسترجاع إقليم وادي الذهب، يوم 14 غشت 2024.

واعتبارا لما لهذه المحطة التاريخية من رمزية وطنية ومقاصد نضالية وحدوية، قام وفد المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يوم الجمعة 6 دجنبر 2024 على الساعة العاشرة صباحا، بالوقوف بمقبرة الشهداء بالحي المحمدي بالدار البيضاء، للترحم على الأرواح الطاهرة لشهداء الحرية والاستقلال والوحدة الترابية، وفي طليعتهم بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالة المغفور له محمد الخامس، ورفيقه في الكفاح والمنفى جلالة المغفور له الحسن الثاني قدس الله روحيهما.

 وعلى الساعة الحادية عشرة صباحا، التئم مهرجان خطابي بالقاعة الكبرى لعمالة مقاطعات عين السبع الحي المحمدي، تلقى خلاله كلمات وشهادات تعبيرا عن مظاهر الدعم والتضامن التي برهن عنها الشعب المغربي إلى جانب الشعب التونسي الشقيق إبان فترة الكفاح المشترك في مواجهة الاحتلال الأجنبي.

وبذات المناسبة، سيتم تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وتوزيع إسعافات اجتماعية على عدد من أفراد هذه الأسرة المجاهدة الجديرة بكل رعاية وتشريف، في سياق حرص المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير على تلبية الطلبات الموجهة لها من مرتفقيها، ممن هم أهل وأحق بالدعم المادي والتكريم المعنوي.

هذا، وقد أقيم في سائر جهات وعمالات وأقاليم المملكة برامج أنشطة وفعاليات بالمناسبة، تشرف عليها النيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية وفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير، من ندوات ومحاضرات، بما فيها عرض إصدارات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وكذا تم تنظيم زيارات لفائدة الفئات العمرية على اختلافها، لفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير البالغ تعدادها 104 وحدة-فضاء، مفتوحة عبر ربوع التراب الوطني وعرض أشرطة وثائقية، ونشر مقالات تعريفية بهذا الحدث التاريخي وبشخصية الزعيم النقابي التونسي والمغاربي فرحات حشاد بالصفحات الرسمية  لفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير.                                                                          

 

المسيرة الخضراء المظفرة

المسيرة الخضراء المظفرة

ملحمة تاريخية جسدت أروع صور التلاحم بين العرش العلوي المنيف والشعب المغربي الوفي

من أجل استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية المقدسة

 

بكل مظاهر الاعتزاز والإكبار، وفي أجواء الحمـاس الوطني الفياض والتعبئة المستمـرة واليقظـة الموصولـة حول قضيتنا الوطنية الأولـى، قضية الوحـدة الترابيـة المقدسة، خلد الشعب المغربي ومعه أسرة المقاومـة وجيش التحريـر، يوم الأربعاء 6 نونبر 2024، من طنجة إلى الكويرة، ذكرى من أغلى وأعز الذكريات الوطنية المجيدة في مسلسل استكمال الاستقلال الوطني وتحقيق الوحدة الترابية.

إنها الذكرى 49 للمسيرة الخضراء المظفرة التي أبدعتها عبقرية الملك الموحد، جلالة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه، وانطلقت فيها جماهير المتطوعات والمتطوعين من كل فئات وشرائح المجتمع المغربي، ومن سائر ربوع الوطن في مثل هذا اليوم من سنة 1975، بنظام وانتظام، في اتجاه واحد صوب الأقاليم الصحراوية المغربية لتحريرها من براثن الاستعمار الإسباني، بقوة الإيمان وبأسلوب حضاري سلمي فريد من نوعه، أظهر للعالم أجمع صمود المغاربة وإرادتهم الراسخة في استرجاع حقهم المسلوب وعزمهم وإصرارهم على إنهاء الوجود الأجنبي والتسلط الاستعماري، بتماسكهم والتحامهم قمة وقاعدة، حيث حققت المسيرة الخضراء المظفرة أهدافها وحطمت الحدود المصطنعة بين أبناء الوطن الواحد، سلاحها كتاب الله، والذود عن حمى الوطن وحياضه، والتمسك بالفضيلة وبقيم السلم والسلام في استرداد الحق المسلوب والدفاع عنه.

وهكذا، أظهرت المسيرة الخضراء للعالم أجمع بالحجة والبرهان مدى التلاحم الذي جسدته عبقرية ملك مجاهد وشهامة شعب وفي وتصميم كافة المغاربة من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال على استكمال استقلالهم الوطني وتحقيق وحدتهم الترابية، وأن سلاحهم في ذلك هو يقينهم بعدالة قضيتهم وتجندهم وتعبئتهم للدفاع عن مقدساتهم الدينية وثوابتهم الوطنية والذود عن حوزة التراب الوطني المقدس، تحذوهم الإرادة الحازمة لتحقيق وحدتهم التي عمل المستعمر بكل أساليبه على النيل منها، إلى أن عاد الحق إلى أصحابه وتحقق لقاء أبناء الوطن الواحد، من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.

لقد قدم المغرب جسيم التضحيات في مواجهة الاحتلال الأجنبي الذي جثم بثقله على التراب الوطني قرابة نصف قرن، وقسم البلاد إلى مناطق نفوذ موزعة بين الحماية الفرنسية بوسط المغرب، والحماية الإسبانية بشماله، والنفوذ الاستعماري على أقاليمه الجنوبية، فيما خضعت منطقة طنجة لنظام حكم دولي. وهذا ما جعل مهمة تحرير التراب الوطني صعبة وعسيرة، بذل العرش والشعب في سبيلها تضحيات كبرى ورائعة في غمرة كفاح وطني متواصل الحلقات، طويل النفس، ومتعدد الأشكال والصيغ، لتحقيـق الحريـة والاستقـلال والوحـدة والخلاص من ربقة الاستعمار بلونيه والمتحالف ضد وحدة الكيان المغربي إلى أن تحقق النصر المبين والهدف المنشود بانتصار الشرعية والمشروعية التاريخية وعودة بطل التحرير والاستقلال والمقاوم الأول جلالة المغفور له محمد الخامس والأسرة الملكية الشريفة من المنفى إلى أرض الوطن، مظفرا منصورا في 16 نونبر 1955، حاملا لواء الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية، وداعيا رحمه الله لمواصلة الجهاد الأصغر بالجهاد الأكبر من أجل بناء وإعلاء صروح المغرب الجديد، البازغ والناهض والمتقدم.

ولم يكن انتهاء عهد الحجر والحماية إلا بداية لملحمة الجهاد الأكبر الاقتصادي والاجتماعي وإعلاء صروح الوطن، الذي كان من أولى قضاياه تحرير ما تبقى من تراب المملكة من نير الاحتلال. وفي هذا المضمار، كان انطلاق عمليات جيش التحرير بأقاليمنا الجنوبية سنة 1956 لاستكمال الاستقلال وتحرير الأجزاء المغتصبة من التراب الوطني، واستمرت مسيرة التحرير بقيادة بطل التحريـر والاستقلال والمقاوم الأول جلالة له المغفـور محمد الخامس رضوان الله عليه، بعزم قوي وإرادة صلبة ليتحقق استرجاع إقليم طرفاية في 15 أبريل 1958.

وواصلت بلادنا في عهد جلالـة المغفور له الحسن الثاني طيب الله ثراه مسيرتها النضالية حيث تم استرجـاع مدينة سيدي افني يوم 30 يونيو 1969، وتكللت بالمسيرة التاريخيـة الكبرى، مسيرة فتح الغـراء في 6 نونبر 1975 التي جسدت عبقرية الملك الموحد الذي استطـاع بأسلوب حضاري سلمي وفريد يصدر عن قوة الإيمان بالحق وبعدالـة القضية الوطنيـة، استرجـاع الأقاليـم الجنوبية، وكان النصر حليف المغاربة، وارتفعت راية الوطن خفاقة في سماء العيون في 28 فبراير 1976، إيذانـا بانتهـاء فترة الاحتـلال والوجود الأجنبي بربوع الصحراء المغربية، وتلاها استرجـاع إقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979.

وتواصلت ملحمة صيانة الوحدة الترابية، بكل إيمان وعزم وإصرار، لإحباط مناورات خصوم وحدتنا الترابية. وها هو المغرب اليوم، بقيادة العاهل الهمام، باعث النهضة المغربية صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله يقف ثابتا وصامدا في الدفاع عن حقوقه المشروعة، مبرزا بإجماعه التام استماتته في صيانة وحدته الترابية، ومؤكدا للعالم أجمع من خلال مواقفه الحكيمة والمتبصرة إرادته القوية وتجنده الموصول دفاعا عن مغربية صحرائه، ومبادرته الجادة لإنهاء النزاع الإقليمي المفتعل بالمنطقة المغاربية الذي طال أمده جراء تعنت وعناد خصوم الوحدة الترابية والمناوئين لحقوق المغرب الثابتة على أراضيه المسترجعة.

وإن أسرة المقاومة وجيش التحرير وهي تستحضر بفخر واعتزاز هذه الملحمة التاريخية الغنية بالدروس والعبر والطافحة بالدلالات والمعاني والقيم، لتجدد موقفها الثابت من قضية وحدتنا الترابية بالتأكيد على مغربية الصحراء، والإعلان عن وقوفها ضد مناورات خصوم وحدتنا الترابية ومخططات المتربصين بسيادة المغرب على كامل ترابه المقدس الذي لا تنازل ولا مساومة في شبر منه، والتعبئة المستمرة والتجند الموصول لسائر فئات وشرائح المجتمع والقوى الحية والشعب المغربي قاطبة وراء صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله من أجل الترافع على قضيتنا الوطنية الأولى، قضية الوحدة الترابية التي أكد جلالته في خطابه بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، يوم الجمعة 11 أكتوبر الماضي، على الأهمية القصوى لملف قضية الصحراء المغربية، معتبرا إياها « القضية الأولى لجميع المغاربة ».

وفي هذا الصدد، يشيد جلالته بالموقف الإيجابي للجمهورية الفرنسية ورئيسها فخامة السيد إيمانويل ماكرون حول السيادة المغربية على كامل الأقاليم الصحراوية المسترجعة، حيث قال جلالته حفظه الله: « وها هي الجمهورية الفرنسية، تعترف بسيادة المملكة على كامل تراب الصحراء، وتدعم مبادرة الحكم الذاتي، في إطار الوحدة الترابية المغربية، كأساس وحيد لحل هذا النزاع الإقليمي المفتعل.« 

ويضيف جلالته، بقوله: « … فقد تمكنا، والحمد لله، من كسب اعتراف دول وازنة، ودائمة العضوية في مجلس الأمن، كالولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

كما نعتز أيضا بمواقف الدول العربية والإفريقية الشقيقة، التي تساند، بكل وضوح والتزام، الوحدة الترابية للمملكة، لاسيما تلك التي فتحت قنصليات لها في العيون والداخلة.

وبموازاة ذلك، تحظى مبادرة الحكم الذاتي، كأساس وحيد للتوصل إلى حل نهائي لهذا النزاع، في إطار سيادة المغرب، بدعم واسع من طرف عدد متزايد من الدول من مختلف جهات العالم.

ونذكر من بينها إسبانيا الصديقة، التي تعرف خبايا هذا الملف، بما يحمله موقفها من دلالات سياسية وتاريخية عميقة، إضافة إلى أغلبية دول الاتحاد الأوروبي ».

واحتفاء بهذا الحدث التّاريخي المجيد بما يليقُ به من مظاهر الاعتزاز والإكبار، وإبرازا لدلالاته الرمزية وقيمه النّبيلة وإشاعة لمواقف الوطنية الحقة والمواطنة الإيجابية والسلوك المدني في أوساط  الناشئة والشّباب والأجيال الجديدة، نظمت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يوم الأربعاء 6 نونبر 2024 على الساعة الرابعة والنصف عصرا، برحاب الفضاء الوطني للذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير التابع للمندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير الكائن مقرها بالحي الإداري، أكدال بالرباط، مهرجانا خطابيا وندوة فكرية ألقيت خلالهما كلمات وعروض وشهادات حول هذا الحدث التاريخي الجيلي والنوعي، الزاخر بالدروس والعبر، والطافح بقيم الوطنية الحقة والمواطنة الايجابية، والباعث على الاعتزاز بالانتماء الوطني والتمسك بالهوية المغربية.

وتم، بالمناسبة، تكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، جريا على التقليد الموصول، وترسيخا للسنة المحمودة، برورا وعرفانا بهذه الصفوة الخيرة التي  أخلصت للوطن وأعطت وأسدت وضحت ذودا عن حريته واستقلاله ووحدته الترابية.

كما نظمت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، يوم السبت 9 نونبر 2024، بكل من طرفاية والعيون، مهرجانين خطابيين ولقاءين تواصليين ألقيت خلالهما كلمات وشهادات للإشادة بفصول هذه الملحمة البطولية وإبراز مكانتها المتميزة في تاريخنا الوطني الطافح بروائع النضالات من أجل الحرية والاستقلال والسيادة الوطنية واستكمال الوحدة الترابية، وتكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وتوزيع إعانات مالية على عدد من أفراد هذه الأسرة الجديرة بموصول الرعاية والعناية.

ومعلوم أنه أقيمت في سائر جهات وعمالات وأقاليم المملكة برامج أنشطة وفعاليات بالمناسبة، أشرفت عليها النيابات الجهوية والإقليمية والمكاتب المحلية وفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير، من ندوات ومحاضرات، بما فيها عرض إصدارات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، وكذا نظمت زيارات لفائدة الفئات العمرية على اختلافها، لفضاءات الذاكرة التاريخية للمقاومة والتحرير البالغ تعدادها 104 وحدة-فضاء، مفتوحة عبر ربوع التراب الوطني.